مرتضى الزبيدي
112
تاج العروس
وفي حديث آخر : " قُوتُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فيه " سُئِل الأَوْزَاعيّ عنه فقال : هو صِغَرُ الأَوْعيَة ( 1 ) ، وقال غيره : هو مثلُ قوله : " كيلوا طَعَامَكُمْ " . وتَقَوَّتَ بالشَّيْءِ ، واقْتَاتَ به ، واقْتَاتَهُ جَعَلَهُ قُوتَه . وحكى ابنُ الأَعْرَابيّ أَنَّ الاقْتياتَ هو القُوتُ ، جعله اسماً له ، قال ابنُ سيدَه : ولا أَدري كيف ذلك ، قال : وقَوْل طُفَيْل : [ الغنوي ] : * يَقْتَاتُ فَضْلَ سَنَامهَا الرَّحْلُ * قال : عندي أَنَّ يَقْتَات هنا بمعنى يَأْكُل فيَجْعَلُه قُوتاً لنَفْسه ، وأَما ابنُ الأَعْرَابيّ فقال : معناه يَذْهَبُ به شيئاً بعد شَيْءٍ ، قال : ولم أَسمَعْ هذا الذي حكاه ابنُ الأَعْرَابيّ إِلاّ في هذا البيت وَحْدَه ، فلا أَدري أَتَأَوُّلٌ [ منه ] أَم سَمَاعٌ سَمِعَه ( 2 ) ، قال ابنُ الأَعْرَابيّ : وحَلَفَ العُقَيْليُّ يوماً [ فَقَالَ ] : لا وقائِتِ نَفَسي القَصيرِ ، ما فَعَلْتُ ، قال : هو من قوله : * يَقْتَاتُ فَضْلَ سَنَامها الرَّحْلُ * قال : والاقْتِياتُ والقُوْتُ واحدٌ ، قال أَبو منصور : لا وقَائتِ نَفَسي ، أَراد بنَفَسي ( 3 ) رُوحَه ، والمعنى : أَنه يَقْبِض رُوحَه نَفَساً بعد نَفَسٍ ، حتى يَتَوَفَّاه كُلَّه ، وقوله : * يَقْتَاتُ فَضْلَ سَنَامها الرَّحْلُ * أَي يَأْخُذُ الرَّحْلُ - وأَنَا راكبُهُ - شَحْمَ سَنَام الناقَةِ قليلاً قليلاً حتى لا يَبْقَى منه شَيءٌ ، لأَنَّهُ يُنْضِيها . " والقَائِتُ : الأَسَدُ " ، وذا من التكملة والقَائِتُ " من العَيْش : الكِفَايَةُ " يقال : [ هو ] في قائتٍ من العَيْش ، أَي [ في ] ( 4 ) كفاية " والمُقيتُ : الحافظُ للشَّيْء والشَّاهدُ له " وأَنشد ثعلبٌ للسَّمَوْأَلِ بنِ عادياءَ : رُبَّ شَتْمٍ سَمِعْتُه وتَصَامَم * تُ وَعِى تَرَكْتُه فَكُفِيتُ ليْتَ شِعْري وأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا * قَرَّبُوها مَنْشُورَةً ودُعِيتُ أَلِىَ الفَضْلُ أَمْ عَلَىَّ إِذا حُو * سِبْتُ إِنِّى عَلَى الحِسَاب مُقِيتُ أَي أَعْرِفُ ما عَلِمْتُ من السوءِ ، لأَن الإِنْسَانَ عَلَى نَفْسه بَصيرَةٌ . وحكى ابنُ بَرِّىّ عن أَبي سَعيدِ السِّيرافيّ قال : الصحيحُ رواية من روى : " . . . رَبِّى عَلَى الحسَاب مُقِيتُ " قالَ : لأَنَّ الخاضعَ لرَبِّه لا يَصفُ نَفْسَه بهذه الصِّفَةِ ، قال ابنُ بَرِّىّ : الذي حَمَلَ السِّيرَافيَّ على تَصحيح هذه الرِّوَايَة أَنَّه بَنَى على أَن مُقيتاً بمعنى مُقْتَدِر ، ولو ذَهبَ مَذْهَبَ مَنْ يقول : إِنّه الحافِظُ للشَّيْءِ والشَّاهدُ لَهُ - كما ذَكَر الجوهَريُّ - لم يُنْكِرِ الرِّوَايَةَ الأُولَى . والمُقِيتُ في أَسماءِ اللهِ الحُسْنَى : الحَفِيظُ . وقال الفَرّاءُ : المُقِيتُ " المُقْتَدِرُ ( 5 ) " والمُقَدِّرُ " كالذِي يُعْطِي كُلَّ أَحَدٍ " وكلَّ شَيْءٍ - وفي بعضِهَا كُلَّ رَجُلِ ، وهو نَصُّ عبارةِ الفرّاءِ - " قُوتَهُ " . وقيل : المُقِيتُ : هو الذي يُعْطِى أَقواتَ الخَلائقِ ، من أَقَاتَه يُقِيتُه ، إِذا أَعْطَاهُ قُوتَه ، وأَقَاتَه أَيضاً ، إِذا حَفِظَهُ ، وفي التَّنْزِيلِ العزِيزِ " وكَانَ اللهُ على كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً " ( 5 ) وقال الزَّجَّاجُ : المُقِيتُ القَدِيرُ ، وقيل : الحَفِيظُ [ قال ] ( 6 ) هو [ عندي ] ( 6 ) بالحَفِيظِ أَشْبَهُ ، لأَنه مشْتَقٌّ من القَوْتِ ، يُقَال : قُتُّ الرجُلَ أَقُوتُه قَوْتاً ، إِذا حَفِظْتَ نَفْسَه بما يَقُوتُهُ والقُوتُ : اسمُ الشَّيْءِ الذي يَحْفَظُ نَفْسَه ولا فَضْلَ فيهِ على قَدْرِ الحِفْظِ ، فمعنى المُقِيتِ : الحَفيظُ الذِي يُعْطِى الشيءَ قَدْرَ الحَاجَةِ من الحِفْظِ ، ومثله قول الزَّجَّاج ، وقيلَ في تَفسيرِ بيتِ السَّموأَلِ : * إِنّي على الحِسَابِ مُقِيتُ * أَي مَوْقُوفٌ على الحِسَابِ ، وقال آخَرُ : ثم بَعْدَ المَمَات يَنْشُرُنِي مَنْ * هُو عَلَى النَّشْرِ يَا بُنَيَّ مُقِيتُ أَي مُقْتَدِرٌ .
--> ( 1 ) النهاية : الأرغفة . ( 2 ) عن اللسان ، وبالأصل " أم سماع منه " . ( 3 ) في التهذيب : بنفسه . ( 4 ) زيادة عن الصحاح . ( 5 ) سورة النساء الآية 85 . ( 6 ) زيادة عن التهذيب .